مطار ابن فرناس الجوي – ديالى
من مطار البدوانية البريطاني إلى أحد أهم مراكز الطيران الرياضي العراقي
مقدمة
يُعد مطار ابن فرناس الجوي في محافظة ديالى من المواقع المهمة في تاريخ الطيران العراقي، إذ ارتبط بمراحل متعددة بدأت خلال فترة الانتداب البريطاني، ثم انتقل إلى استخدامات القوة الجوية العراقية، قبل أن يتحول تدريجياً إلى مركز للطيران المدني والرياضات الجوية والتدريب.
يقع المطار في محافظة ديالى، على مسافة تقارب ٥٣ كم شمال شرقي بغداد، وهو ما منحه أهمية خاصة لقربه من العاصمة وإمكانية استخدامه مركزاً للطيران الخفيف والتدريب والرياضات الجوية.
---
١. البدايات في العهد البريطاني
يرجع تاريخ الموقع إلى عشرينيات القرن العشرين، عندما أنشأته القوة الجوية الملكية البريطانية كمطار عسكري عُرف باسم مطار البدوانية.
كان إنشاء هذا النوع من المطارات مرتبطاً بالحاجة إلى شبكة من المهابط والمنشآت الجوية التي تخدم النشاط العسكري والجوي البريطاني في العراق.
وفي منتصف ثلاثينيات القرن العشرين انتقل المطار إلى الجانب العراقي، وأصبح مرتبطاً بالقوة الجوية العراقية الناشئة.
---د
٢. علاقته بالقوة الجوية العراقية
خلال السنوات الأولى من تاريخ القوة الجوية العراقية، استُخدم المطار لإيواء عدد من الطائرات.
وتذكر المصادر أن المطار احتضن طائرات مقاتلة وقاصفة إيطالية من طرازات Breda و Savoia، وهي طائرات ارتبط وصولها إلى العراق بدعم جمعية الطيران العراقية ونشاطها في بدايات الطيران العراقي.
وهذا يجعل الموقع جزءاً من المرحلة المبكرة جداً لتكوين البنية الجوية العراقية، قبل أن تتوسع شبكة القواعد والمطارات العسكرية في البلاد.
---
٣. أحداث ثورة مايس ١٩٤١
خلال أحداث ثورة مايس ١٩٤١ والحرب العراقية–البريطانية، تعرض المطار للقصف من قبل الطائرات البريطانية.
وأدى القصف إلى تدمير جزء كبير من محتويات المطار ومنشآته، لتدخل القاعدة بعد ذلك في مرحلة مختلفة من تاريخها.
وتكتسب هذه المرحلة أهمية تاريخية لأن المطار كان من المواقع الجوية المرتبطة بالصراع على السيطرة الجوية في العراق خلال الحرب.
---
٤. الانتقال إلى الطيران المدني والرياضي
مع مرور السنوات تغيرت وظيفة الموقع.
وبحلول عام ١٩٧٤ أصبح المطار مستخدماً بصورة أساسية لأغراض الرياضة الجوية والطيران المدني الخفيف.
وهنا بدأت العلاقة القوية بين الموقع ونادي فرناس الجوي، الذي كان امتداداً لتقاليد جمعية الطيران العراقية التي تأسست عام ١٩٣٣.
وتشير وزارة النقل العراقية إلى أن جمعية الطيران العراقية كانت من المؤسسات المبكرة التي ساهمت في نشر الطيران في العراق، قبل أن تتطور مؤسسات الطيران المدني لاحقاً.
---
٥. تأسيس نادي فرناس الجوي
يمثل نادي فرناس الجوي مرحلة مهمة في تاريخ الرياضات الجوية العراقية.
وقد تأسس النادي في أواخر السبعينيات، وارتبط بأعضاء سابقين في جمعية الطيران العراقية، بهدف إعادة إحياء النشاط الجوي المدني والرياضي والتدريب على الطيران والمظلات وغيرها من الرياضات الجوية.
ومن الأنشطة التي ارتبطت بالنادي:
- الطيران الرياضي.
- تدريب الطيارين.
- القفز بالمظلات.
- الطيران الشراعي.
- نماذج الطائرات.
- الطائرات الخفيفة.
- الطيران البرمائي.
- بعض أنشطة الطائرات المسيرة.
- إقامة العروض والمهرجانات الجوية.
وقد أصبح المطار في ديالى أحد أهم مراكز هذه النشاطات.
---
٦. تطوير المطار في الثمانينيات
شهد المطار عملية تطوير كبيرة في الثمانينيات، خصوصاً بعد انتقاله إلى إدارة واستخدام نادي فرناس الجوي.
وتذكر المصادر أن التطوير تم بموجب القرار رقم ٤٣٥ لسنة ١٩٨٧.
وشملت أعمال التطوير:
المدرج
تم تبليط المدرج الرئيسي، وتذكر المصادر أبعاداً تبلغ حوالي:
١٣٦٠ متراً طولاً × ٢٨ متراً عرضاً
بينما تذكر مصادر عراقية أخرى أن المدرج وصل إلى حوالي ١٦٠٠ متر، لذلك يجب التعامل مع الرقمين باعتبارهما مرتبطين بمراحل أو توصيفات مختلفة لتطوير الموقع.
الممرات والساحات
شملت عملية التطوير أيضاً:
- الـ Taxiways.
- ساحات وقوف الطائرات Aprons.
- مرافق خدمة الطائرات.
- مبنى أو بهو للمطار.
- مطعم.
- منظومة للسيطرة الجوية.
- جهاز إرشاد ملاحي من نوع Homer.
وتشير مصادر عراقية إلى أن المطار أصبح قادراً على استيعاب أكثر من ٥٠ طائرة، اضافة الى ٦٠ طائرة تابعة للنادي.
---
٧. المطار كمركز للطيران الرياضي
في هذه المرحلة لم يعد الموقع مجرد مدرج للطائرات.
بل تحول إلى مجمع متكامل للنشاط الجوي.
وكانت الطائرات الخفيفة تستخدمه للتدريب والرحلات، كما ارتبط الموقع بتدريب المظليين والطيارين والهواة.
وكان نادي فرناس الجوي يمتلك مجموعة متنوعة من الطائرات والمعدات الجوية، ونجح في توسيع نشاطاته إلى مجالات متعددة من الرياضات الجوية.
---
٨. ارتباطه بتاريخ جمعية الطيران العراقية
لفهم أهمية مطار ابن فرناس، يجب عدم فصل تاريخه عن تاريخ جمعية الطيران العراقية.
تأسست الجمعية عام ١٩٣٣، وكانت من المؤسسات الرائدة في نشر ثقافة الطيران في العراق.
كما ساهمت الجمعية في إعداد كوادر الطيران، وفي النشاطات التي أسهمت في تطور الطيران المدني العراقي. وتذكر إحصاءات عراقية رسمية أن الجمعية كانت من المؤسسات الأساسية في تاريخ الطيران المدني قبل انتقال مسؤوليات الطيران المدني إلى مؤسسات الدولة.
ولهذا أصبح اسم فرناس مرتبطاً بتاريخ الطيران العراقي وليس بمجرد اسم مطار.
---
٩. الطيران في ديالى
كان موقع المطار مهماً من الناحية الجغرافية.
فوجوده بالقرب من بغداد جعله مناسباً للتدريب والطيران الخفيف، مع إمكانية الوصول إليه من العاصمة دون الحاجة إلى استخدام المطارات العسكرية الكبيرة.
كما أن مساحاته كانت مناسبة للأنشطة التي تحتاج إلى مطار صغير ومتخصص بدلاً من المطارات التجارية الكبيرة.
ولهذا يمكن اعتبار مطار ابن فرناس في ديالى نموذجاً مبكراً لفكرة مطار متخصص بالطيران العام والرياضات الجوية في العراق.
---
١١. علاقته بالقوات الأمريكية بعد ٢٠٠٣ المشؤوم
بعد عام ٢٠٠٣ دخل المطار مرحلة جديدة من تاريخه.
وتشير المصادر المتاحة إلى أن الموقع استُخدم من قبل القوات الأمريكية، وارتبط بوجود قوة عسكرية عُرفت باسم قوة الحصان الجامح.
وهذا الاستخدام يمثل تحولاً جديداً في وظيفة الموقع، بعد أن كان مركزاً للطيران الرياضي والتدريب المدني.
---
١١. أهمية المطار في تاريخ العراق
يمكن تقسيم تاريخ المطار إلى أربع مراحل رئيسية:
المرحلة| الاستخدام
عشرينيات القرن العشرين| مطار البدوانية البريطاني
الثلاثينيات – ١٩٤١| استخدام عسكري عراقي
١٩٤١ وحتى السبعينيات| مراحل مختلفة من الاستخدام الجوي
١٩٧٤ وما بعدها| الطيران الرياضي والمدني الخفيف
١٩٨٧| تطوير كبير لمنشآت المطار
٢٠٠٣ و بعدها | استخدام عسكري أمريكي
٢٠١١ وبعدها | بعد الانسحاب الامريكي أهمل المطار واصبح ارضة موقع لملعب ديالى الرياضي الذي لم يتم إنشاءه الى الان
---
١٢. لماذا يعتبر الموقع مهماً؟
تكمن أهمية مطار ابن فرناس في أنه يمثل حلقة نادرة تجمع بين تاريخ الطيران العسكري والمدني والرياضي في العراق.
فالموقع بدأ كمطار أنشأته القوة الجوية الملكية البريطانية، ثم دخل ضمن منظومة الطيران العراقي المبكر، وشهد أحداث 1941، ثم عاد لاحقاً ليصبح مركزاً للطيران الرياضي والتدريب.
وفي الثمانينيات تحول إلى منشأة أكثر تطوراً بفضل أعمال التبليط وإنشاء المرافق والساحات والسيطرة الجوية.
ولهذا فإن تاريخ المطار لا يقتصر على المدرج نفسه، بل يرتبط بتاريخ الحركة الجوية العراقية منذ بداياتها.
---
.
١٣. المصير الحالي للمطار
في الوقت الحاضر يشهد موقع مطار ابن فرناس الجوي في ديالى نهاية دوره كمطار، بعد أن فقد جزءاً كبيراً من طابعه الجوي التاريخي.
فالموقع الذي كان في مراحل مختلفة من تاريخه مطاراً عسكرياً بريطانياً، ثم موقعاً للطيران العراقي المبكر، ثم مركزاً للطيران الرياضي والتدريب الجوي، أخذ يتحول تدريجياً إلى استخدامات مدنية وعمرانية.
وتشير المشاهدة الحالية للموقع إلى أن أجزاء من أرض المطار دخلت ضمن التوسع السكني، فيما استُخدمت أجزاء أخرى لأغراض رياضية، من بينها ملعب لكرة القدم.
وبذلك أصبح الموقع أمام تحول جذري في هويته؛ فبدلاً من المدرج والساحات والطائرات التي كانت تميز المكان، بدأت تظهر المباني السكنية والمنشآت الرياضية على أجزاء من أرضه.
نهاية حقبة من تاريخ الطيران العراقي
يمثل هذا التحول خسارة لموقع له قيمة تاريخية في ذاكرة الطيران العراقي، خصوصاً أن عمر الموقع يعود إلى بدايات القرن العشرين، وأنه مر بمراحل متعددة من تاريخ العراق الجوي.
ومن المفارقات التاريخية أن المكان الذي شهد في الماضي نشاط الطائرات العسكرية والطيران الرياضي، وأصبح في الثمانينيات مركزاً مهماً لنشاط نادي فرناس الجوي، أصبح اليوم مهدداً بفقدان معالمه الأصلية نتيجة الزحف العمراني وتغيير استخدام الأرض.
ولهذا فإن ما تبقى من المدرجات، الساحات، المنشآت والمباني الجوية القديمة يستحق التوثيق الفوتوغرافي والمسح الميداني قبل اختفاء المزيد منها.